محمد متولي الشعراوي
218
تفسير الشعراوي
حياته . واللّه سبحانه وتعالى يريد المؤمنين متضامنين متحابين خالين من كل العقد التي تحطم الحياة . اذن فعدم صلة الرحم تضيع أجيالا بأكملها . ونأتى بعد ذلك إلى الصفة الثالثة من صفات الفاسقين بقوله تعالى : « وَيُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ » . نقول : كل ما في الكون مخلوق على نظام : « قَدَّرَ فَهَدى » أي كل شئ له هدى لا بد أن يتبعه . ولكن الانسان جاء في مجال الاختيار وأفسد قضية الصلاح في الكون . ومن رحمة اللّه أنه جعل في كونه خلقا يعمل مقهورا . ليضبط حركة الكون الأعلى . فالشمس والنجوم والأرض وكل الكون ما عدا الانس والجان . يسير وفق نظام دقيق . لماذا ؟ لأنه يسير بلا اختيار له . والحق جل جلاله أخبرنا بأنه لكي يعتدل ميزان حياتنا . فلنحكم أنفسنا بمنهج اللّه . كما أن الكون المقهور محكوم بمنهج اللّه . فليس معنى الاختيار الانساني أن نبتعد عن منهج اللّه . لأن اللّه له صفة القهر . فهو يستطيع أن يخلقنا مقهورين ، ولكنه أعطانا الاختيار حتى نأتيه عن حب . وليس عن قهر . فأنت تحب الشهوات ولكنك تحب اللّه أكثر . فتقيد نفسك بمنهج اللّه . اذن فالاختيار لم يعط لنا لنفسد في الأرض . ولكنه أعطى لنا . لنأتي اللّه سبحانه وتعالى طائعين ولسنا مقهورين . ولذلك فكل منا مختار في أن يؤمن أولا يؤمن . وهذا الاختيار يثبت محبوبية اللّه سبحانه وتعالى في قلوبنا . ولكن الانسان بدلا من أن يأخذ الاختيار ليأتي اللّه عن حب . فينال الجزاء الأعظم . أخذه ليفسد في الأرض . . والفساد أن تنقل مجال افعل ولا تفعل . فتضع هذه مكان هذه . فينقلب الميزان . أي أنك فيما قال اللّه فيه افعل . لا تفعل ، وفيما قال لا تفعل . تفعل . . فتكون قد جعلت ميزان حياتك معكوسا . لماذا ؟ لأننا غير محكومين بقاعدة كلية تنظم حياة الناس . فكل واحد سيضع قاعدة له . وكل واحد لن يفعل ما عليه . فيحدث تصادم في الحياة . وكل فساد يشكل قبحا في الوجود . فهب انك تسير في الطريق . وترى عمارة مبنية حديثا . قد تسربت المياه من مواسيرها . عندما ترى ذلك تتأذى . لأن هناك قبحا في الوجود . في عدم أمانة انسان في عمله . اذن فحين يفسد